26/10/2025
🧾 مطلب و رغبة السائقين عبر تطبيقات النقل الذكي في إلزام الركاب بوضع صورهم الشخصية
قراءة قانونية وحقوقية متوازنة
في الآونة الأخيرة، بدأ يُطرح من طرف عدد من السائقين مطلب إلزام الزبناء (الركاب) في تطبيقات النقل الذكي بوضع صورهم الشخصية داخل التطبيق، بدعوى تعزيز الأمان وتفادي حالات النصب أو السلوك غير السوي.
ورغم وجاهة هذا المطلب من الناحية العملية، فإنه يثير إشكالات قانونية وحقوقية جوهرية تتعلق بـ الحق في حماية المعطيات الشخصية والخصوصية، خاصة عندما يُفرض دون مبرّر مشروع أو دون موافقة صريحة ومستنيرة من المستخدم.
⚖️ أولًا: الإطار القانوني المغربي
القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الصادر سنة 2009 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5744 بتاريخ 18 فبراير 2010، ينص بوضوح على ما يلي:
🔹 لا يجوز جمع أو معالجة أي معطى شخصي إلا لغرض مشروع ومحدد وواضح.
🔹 يجب أن يتم ذلك بموافقة الشخص المعني وبعد إبلاغه بطريقة واضحة عن الهدف من المعالجة وطبيعتها.
🔹 ويُعتبر “المعطى الشخصي” كل معلومة من شأنها التعريف بشخص معين بشكل مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك الصورة الشخصية.
📖 (راجع المواد 1 و2 و3 من القانون رقم 09-08، وموقع اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP.ma)
بناءً على ذلك، فإن فرض رفع صورة الزبون كشرط لاستعمال التطبيق يتعارض مع مبدأ الاختيار الحر والغرض المشروع، ما لم يكن هناك تبرير أمني أو قانوني واضح يقتضي ذلك.
👁️🗨️ ثانيًا: الطبيعة القانونية للصورة الشخصية
تُعد الصورة من أكثر المعطيات حساسية لأنها تمكّن من تحديد الهوية البيومترية للشخص.
وقد اعتبر القضاء المغربي أن نشر أو استعمال الصور دون إذن مسبق يُعد خرقًا للخصوصية ويُعرّض صاحبه لمتابعات مدنية وجنائية.
📖 (انظر: تقرير “عقوبات التقاط الصور دون إذن صاحبها” – Hespress.com، 2023)
🌐 ثالثًا: المقارنة مع الأطر الدولية
على الصعيد الدولي، ينصّ النظام الأوروبي العام لحماية المعطيات (GDPR) على أن أي معلومة تُتيح التعرف على الشخص تُعتبر “بيانًا شخصيًا”، ويُحظر جمعها أو معالجتها دون:
أساس قانوني مشروع،
غرض محدد وواضح،
موافقة صريحة،
الاقتصار على المعطيات الضرورية فقط (مبدأ Data Minimization).
📖 (المادة 5 من اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات – GDPR.eu)
وبالتالي، فإن فرض صورة الزبون دون سبب أمني محدد يتنافى مع مبدأ الضرورة والتناسب المعتمد في القوانين الحديثة.
🛡️ رابعًا: التمييز بين وضع السائق والزبون
من المهم التفريق بين الحالتين:
🔸 السائق المهني:
يُعتبر مقدم خدمة عمومية تتعلق بسلامة الركاب، ومن المنطقي أن يُطلب منه تأكيد هويته بصورة رسمية.
🔸 الزبون أو الراكب:
هو مستهلك فقط، لا يمارس نشاطًا مهنيًا داخل التطبيق، ولا يُشكل خطرًا محتملاً يبرّر كشف هويته البصرية مسبقًا.
وعليه فإن إجبار الراكب على إظهار صورته يُعدّ تجاوزًا غير مبرّر قانونيًا، ويمكن أن يُعتبر معالجة غير مشروعة لمعطياته الشخصية طبقًا لمقتضيات القانون 09-08.
💡 خامسًا: التوصيات القانونية
✅ يجب أن يكون وضع الصورة اختياريًا وليس إلزاميًا، مع توضيح الغرض في سياسة الخصوصية.
✅ يجب على التطبيقات المغربية التصريح لدى CNDP بكيفية جمع ومعالجة البيانات، بما في ذلك الصور.
✅ يُفضل اعتماد آليات بديلة للأمان (رمز الحجز، رقم الهاتف، تقييم المستخدمين...).
✅ احترام حق المستخدم في الحذف أو التعديل أو سحب الموافقة في أي وقت.
📚 مراجع واستشهادات
القانون رقم 09-08، الجريدة الرسمية المغربية عدد 5744 (18 فبراير 2010)
اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية – www.cndp.ma
تقرير: “عقوبات التقاط الصور دون إذن صاحبها” – Hespress (2023)
European Union: General Data Protection Regulation (GDPR), Article 5 – GDPR.eu
Privacy and the regulation of ridesharing platforms, Wiley Online Library (2022)
A systematic review of data privacy in Mobility as a Service, ScienceDirect (2024)
💬 توضيح بخصوص النقاش المثار
يجدر التوضيح أن هذا المنشور لم يكن موضوعًا للنقاش المفتوح، بل جاء كجواب قانوني على سؤال طرحه أحد الأعضاء حول مدى قانونية إلزام الركاب بوضع صورهم في تطبيقات النقل الذكي.
الغاية كانت تقديم قراءة قانونية وحقوقية محايدة استنادًا إلى القانون المغربي والمعايير الدولية، دون الانحياز لأي طرف.
أما تخوفات السائقين من النصب أو الاحتيال، فهي مشروعة ومفهومة تمامًا، لكن الحل لا يكون في المساس بخصوصية المستخدمين، بل في تطوير آليات الأمان داخل التطبيقات.
⚖️ القاعدة الذهبية:
تحقيق الأمان لا يعني المساس بالخصوصية، بل إيجاد توازن عادل بين الحقين.